في السنوات الأخيرة، شهد الجيل Z (المولودون بين عامي 1995 و2012) تغيراً ملحوظاً في سلوكياته المالية، لا سيما فيما يتعلق باستخدام بطاقات الائتمان. في البداية، كان أفراد هذا الجيل يفضّلون استخدام بطاقات الخصم المباشر بدلاً من بطاقات الائتمان، بهدف تجنّب الديون، على غرار ما واجهه جيل الألفية خلال أزمة الرهن العقاري.
إلا أن أبحاثاً حديثة تشير إلى تزايد فتح الحسابات الرقمية واستخدام بطاقات الائتمان لدى الجيل Z، متجاوزاً جيل الألفية في المرحلة العمرية نفسها. يستعرض هذا المقال العوامل التي تقف وراء هذا التوجه، والضغوط المالية وأعباء الديون الناتجة عنه، إضافة إلى الآثار المحتملة في المستقبل.
الاعتماد المتزايد على بطاقات الائتمان
تاريخياً، أظهرت الدراسات والاستطلاعات تفضيل الجيل Z لاستخدام بطاقات الخصم المباشر لتفادي الوقوع في الديون. إلا أن أبحاثاً صادرة عن شركة ترانس يونيون في نهاية عام 2023 كشفت أن 84% من أفراد الجيل Z الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و24 عاماً يمتلكون حسابات بطاقات مصرفية عامة، مقارنة بـ 61% من جيل الألفية في العمر نفسه عام 2013.
ويُبرز هذا الفارق، البالغ 23 نقطة مئوية تزايد الاعتماد على الائتمان لدى فئة الشباب. كما تشير بيانات ترانس يونيون إلى تراجع استخدام بطاقات الائتمان ذات العلامات التجارية الخاصة (Private Label) لدى الجيل Z، حيث يمتلكها 26% فقط مقارنة بـ 44% من جيل الألفية. ويعكس هذا التوجه تفضيل الجيل Z لمرونة البطاقات المصرفية العامة وانتشار قبولها مقارنة بخيارات المتاجر.
تزايد مستويات الديون
وفقاً لتقرير صادر عن The Financial Brand، تزامن تزايد استخدام الجيل Z لبطاقات الائتمان مع نمو مستويات ديونهم. فقد بلغ متوسط رصيد بطاقة الائتمان لأفراد الجيل Z الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و24 عاماً في نهاية عام 2023 نحو 10,414 (2,834 دولاراً أمريكيًا)، بزيادة قدرها 26% مقارنة بمتوسط رصيد جيل الألفية في العمر نفسه، والذي بلغ بعد تعديل التضخم 8,267 (2,248 دولاراً أمريكيًا).
ولا يقتصر هذا التزايد على بطاقات الائتمان، إذ سجّلت أرصدة قروض السيارات نمواً أيضًا، حيث بلغ متوسط مديونية الجيل Z نحو 79,897 (21,767 دولاراً أمريكياً)، مقارنة بـ 69,967 (19,043 دولارًا أمريكيًا) لجيل الألفية بعد احتساب التضخم.
كما تعكس أرصدة القروض العقارية لدى الجيل Z ضغوطًا تضخمية واضحة ومحدودية في المعروض السكني، إذ بلغ متوسط الرصيد العقاري نحو 790,000 (215,150 دولارًا أمريكيًا)، بزيادة قدرها 44.3% مقارنة بمتوسط جيل الألفية المعدّل بحسب التضخم والبالغ 547,600 (149,130 دولاراً أمريكياً).
(المصدر: https://thefinancialbrand.com/news/gen-z-banking/gen-z-uses-credit-cards-more-than-millennials-at-the-same-age-177867/?edigestM1)
نِسَب الدين إلى الدخل والضغوط المالية
تكشف تحليلات ترانس يونيون أن الجيل Z يواجه نسبة دين إلى دخل أعلى مقارنة بجيل الألفية في العمر نفسه، حيث بلغت 16.05% مقابل 11.76%. ويُبرز هذا الفرق ضغوطاً مالية أكبر، تتفاقم نتيجة انخفاض مستويات الدخل. وعند تعديل الدخل وفق معدلات التضخم، يتبيّن أن دخل جيل الألفية في عام 2013 كان أعلى بنحو 15% من متوسط دخل الجيل Z حالياً. وتتجلى هذه الضغوط المالية أيضاً في ارتفاع معدلات التعثر في السداد لدى الجيل Z. فخلال أول 24 شهراً من فتح حسابات ائتمانية جديدة، سجّل أفراد الجيل Z معدلات تعثر أعلى في قروض السيارات وبطاقات الائتمان ذات الاسترداد النقدي والقروض الشخصية مقارنة بجيل الألفية. كما ارتفعت نسبة المقترضين من الجيل Z المتأخرين عن السداد لمدة 60 يوماً أو أكثر بنحو 10% إضافية، ما يعكس التحديات المالية التي يواجهونها في المراحل المبكرة من تعاملهم مع الائتمان.
التأثيرات الاقتصادية والتضخم
تشكّل المشهد المالي للجيل Z بفعل حدثين اقتصاديين رئيسيين: الأزمة المالية العالمية، والركود الذي سبّبته الجائحة، تلاهما إنفاق حكومي كبير. وقد أسهمت هذه التطورات في استمرار معدلات التضخم، ما أدى إلى ارتفاع استخدام بطاقات الائتمان عبر مختلف الأجيال.
وتُظهر دراسات صادرة عن ترانس يونيون والاحتياطي الفيدرالي أن أرصدة بطاقات الائتمان القائمة تجاوزت 3.67 تريليون (تريليون دولار أمريكي). ومع ارتفاع مستويات الديون لدى الجيل Z وانخفاض متوسط الدخل، ازدادت مؤشرات انعدام الأمان المالي. وأفاد العديد من أفراد الجيل Z بأنهم يشعرون باستقرار مالي أقل وبمستويات أعلى من القلق بشأن أوضاعهم المالية مقارنة بجيل الألفية في العمر نفسه.
ويُعد هذا التحوّل في مستويات الثقة الاقتصادية بين الأجيال مؤشًرا مقلقًا يستدعي اهتمامًا من المؤسسات المالية وصنّاع السياسات.
تثقيف الجيل Z حول استخدام الائتمان
على الرغم من اعتمادهم المتزايد على الائتمان، يفتقر العديد من أفراد الجيل Z إلى الفهم الأساسي لكيفية عمل المنتجات الائتمانية. وقد أوضحت ميشيل رانيري، نائب الرئيس ورئيس الأبحاث والاستشارات في الولايات المتحدة لدى ترانس يونيون، أن العديد من مستهلكي الجيل Z تعلّموا مفاهيم الائتمان من مصادر غير رسمية مثل الأفلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بدلاً من التعليم المالي الرسمي. ويسهم هذا النقص في المعرفة في تركيزهم على الاحتياجات الائتمانية الفورية دون الالتفات إلى التكاليف طويلة الأجل، مثل أسعار الفائدة. كما كشفت مقابلات رانيري مع مستهلكي الجيل Z عن انتشار مفاهيم خاطئة تتعلق بمصطلحات ومنتجات الائتمان. فعلى سبيل المثال، لم يكن لدى كثير من أفراد الجيل Z فهم واضح لمفهوم "المستخدم المصرَّح له" في الحسابات الائتمانية، كما وجدوا مصطلحات مثل "بناء السجل الائتماني" مربكة. ويُبرز ذلك فرصة مهمة أمام المؤسسات المالية لتقديم محتوى تعليمي موجّه وتواصل واضح، بما يساعد الشباب على استخدام الائتمان بشكل مسؤول.
استراتيجيات للمؤسسات المالية
لدعم الجيل Z ومساعدته على إدارة شؤونه المالية بفعالية، يمكن للمؤسسات المالية اعتماد عدد من الاستراتيجيات، من أبرزها:
التواصل المباشر مع الجيل Z
ينبغي على المؤسسات المالية الحصول على ملاحظات مباشرة من أفراد الجيل Z لفهم وجهات نظرهم واحتياجاتهم بشكل أفضل.
وقد لا تكون الأساليب التقليدية في شرح مفاهيم الائتمان فعّالة مع هذا الجيل، ما يجعل استخدام لغة واضحة وقريبة منهم أمراً ضروريًا.
تبسيط التثقيف المالي
يمكن للتثقيف المالي أن يلعب دوراً فعّالاً في توعية المستهلكين حول كيفية التقديم على الائتمان واستخدامه.
كما يمكن لميزات مثل الشروحات والتعريفات الفورية داخل التطبيقات المصرفية أو المواقع الإلكترونية أن توفر معلومات سياقية مباشرة. ويسهم هذا النهج في مساعدة الشباب على فهم تبعات قراراتهم المالية أثناء اتخاذها.
تطوير منتجات مخصصة
يساعد تصميم منتجات ائتمانية تلائم احتياجات وسلوكيات الجيل Z على تعزيز إدارة مالية أفضل. فعلى سبيل المثال، يمكن لبطاقات الائتمان المضمونة بشروط واضحة أن تساعد الشباب على بناء سجل ائتماني دون الوقوع في مخاطر الديون.
الاستفادة من المنصات الرقمية
نظراً لإلمام الجيل Z بالمنصات الرقمية، ينبغي على المؤسسات المالية الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي والموارد الرقمية لتقديم التوعية المالية. ويمكن لمقاطع الفيديو القصيرة والجذابة على منصات مثل «تيك توك» تقديم معلومات قيّمة بأسلوب يتناسب مع هذا الجيل.
التركيز على الرفاه المالي
إلى جانب المنتجات الائتمانية، يمكن للمؤسسات المالية توفير أدوات وموارد لمساعدة الجيل Z على إدارة رفاههم المالي بشكل شامل.
كما يمكن لتطبيقات إدارة الميزانية، وبرامج الادخار، والنصائح المالية المخصصة أن تمكّن الشباب من اتخاذ قرارات مدروسة وبناء مستقبل مالي مستقر.
مستقبل المشهد المالي للجيل Z
مع استمرار الجيل Z في التعامل مع تعقيدات بطاقات الائتمان في دولة الإمارات العربية المتحدة والديون، ستترك سلوكياتهم المالية آثارًا طويلة الأمد على الاقتصاد والقطاع المالي. ويُعد فهم التحديات والفرص التي تواجه هذا الجيل أمراً أساسيًا لتطوير استراتيجيات فعّالة تدعم رفاههم المالي.
وتؤدي المؤسسات المالية دوراً محوريًا في تشكيل المستقبل المالي للجيل Z. ومن خلال تقديم التوعية المخصصة، والتواصل الواضح، والمنتجات المبتكرة، يمكنها مساعدة الجيل Z على بناء قاعدة مالية قوية وتجنّب مخاطر الديون المفرطة. وفي الختام، يعكس تزايد استخدام بطاقات الائتمان لدى الجيل Z توجهًا أوسع نحو الاعتماد على الائتمان في ظل الضغوط الاقتصادية والتضخم. ومع نضوج هذا الجيل، ستستمر سلوكياته وتوجهاته المالية في التطور. ويمكن للمؤسسات المالية الإسهام في بناء جيل أكثر وعياً واستقرارًا ماليًا من خلال تلبية احتياجاته بشكل استباقي وتقديم الدعم المناسب.
